قبل سنوات سألني صحافي عن وضعية قصيدة النثر في
فلسطين فأجبت
بمايلي: انهم يكتبون نصوصا عن نساء جميلات، يعبرن
في الشارع والسارد يجلس في مقهى
باريسي، حيث ينقر المطر زجاج المقهى، بينما يتجاهل
الكاتب الدبابة الاسرائيلية التي
تقف تحت نافذة داره، وكأنه لا يراها، خوفا
من ان يتهم بالايديولوجيا، فنجده يقلد
قصيدة النثر اللبنانية في تركيزه على
الانا، وبالتالي، فهو يستبدل ايديولويجا
شعرية الهوية بالايديولوجيا العدمية
للعولمة، وايدولوجيا مجلة شعر اللبنانية في
خمسينيات القرن العشرين، وبطبيعة الحال، لا
يمكن تعميم الحكم على كل كتاب النصوص،
فهناك دائما استثناءات.
فالايديولوجيا البديلة لقصيدة النثر هي
ايديولوجيا ثقافة
السلام وهي كلمة حق اريد بها باطل، تم ترسيخها في
مقابل ثقافة المقاومة.
وهكذا
تحولت الليبرالية الوطنية الى ليبرالية
متوحشة وتابعة.
اما عن الشكل فقد ظل
الفكر الثنائي (شكل - محتوى) طاغيا على كلام
الشعراء والنقاد وكتاب
النصوص:
اولا: انطلاقا من هذه الثنائية راح البعض
يصنف قصيدة النثر بأنها: شرعية
اوغير شرعية، وفي هذا المجال نقرر مسبقا بأن
قصيدة النثر لها شرعيتها الطبيعيةالتي
لا نتجادل عليها ولا ينكر هذه الشرعية سوى
بعض التقليديين الذين لم يعد لهم اي
تأثير في واقعية انتشارها الضخم والواسع، بل
المسيطر والسائد.
ثانيا: انطلاقا من
هذه الثنائية ايضا، راح البعض يصنف (الشعر
الحر الحديث) وقصيدة النثر بأنهما: قصيدة
الوزن في مقابل قصيدة اللاوزن، والصحيح ان
هذا التصنيف الثنائي خاطئ تماما،
لأن(الوزن) ليس شرطا جوهريا في الشعر ولأن
الوزن ليس العنصر الوحيد لاثبات شاعرية
الشعر.
فالشعر (الحر الحديث) التفعيلي، ليس الوزن
فيه سوى عنصر واحد من عدة
عناصر تحدد شاعريته وعدم وجود الوزن في قصيدة النثر
لا يعني الغاء عناصر الشاعرية
الاخرى كالمفارقة واللغة الشعرية، والكثافة
الشعرية والادهاش والمغايرة وهي ايضا
عناصر موجودة في الشعر الحر الحديث والاهم
من ذلك كله منظور الشاعر فالقصيدة والنص
المفتوح، يتكونان من (بنية، ومنظور) والنص
الادبي حسب ادوارد سعيد، هو (بنية
وحدث).
- اذن مادمنا نستبعد النقاش حول قصيدة النثر
في مجالين او ثنائيتين هما (الشعرية
وعدمها) والوزن واللاوزن فالنقاش الحقيقي، حول قصيدة النثر لا يقع في
مجال
هاتين الثنائيتين بل في مكان اخر، اسميه درجات الشاعرية اي ما الذي
يجعل الشعر شعرا
كما تساءل جاكوبسون، لقد وقف النقاد من قصيدة
النثر، ثلاثة مواقف:
اولا: قسم يرى
ان قصيدة النثر هي تطوير لحركة الشعر الحر
وبالتالي فهي شعر اكثر حداثة من
الشعرالحر فهي تحتوي على لغة شعرية ما بعد
حداثية وصور شعرية ومفارقات شعرية مدهشة،
رغم انها بلا وزن ولا قافية وبلا ايقاعات
منتظمة، والصحيح ان قصيدة النثر زمنيا
ليست حركة تطويرية للشعر الحر لأن حركة
قصيدة النثر ولدت متوازنة مع ولادة الشعر
الحر في الخمسينيات وكانت انذاك مرفوضة
مثلما كان الشعر الحر مرفوضا
ايضا.
ثانيا: قسم يرى ان قصيدة النثر نوع ادبي
جديد قديم ينتمي الى النثر
وبالتالي فهي ثورة في تجديد النثر.
ثالثا: قسم يرى ان قصيدة النثر هي:(جنس ادبي
مستقل وكتابته ليست شعرا وليست نثرا وهي في
الوقت نفسه شعر ونثر.
لكنها تميل
اكثر الى جمالية النثر بسبب فقدانها للبنية
الصوتية التي تتعلق بمتعة الايقاع حيث
ان الايقاع فيها غير منتظم، اي لا قانون له،
وهي لم تعوض عن فقدان جمالية الايقاع
بجمالية اخرى، وقد ولدت قصيدة النثر من فكرة
التهجين فهي اذن: نص مفتوح عابر
للانواع وبالتالي، فهي حالة ثالثة جديدة
قديمة ونوع ادبي مستقل.
اما من حيث
المنظور فهي- حاليا- تتبنى ايدولوجيا
العولمة الليبرالية، بجمالياتها الشكلية وهي
ممتعة سريعة الزوال، سريعة التقلب، وهي
متوحشة، حداثية ورجعية وتقدمية اي انها خليط
هجين من عناصر ما بعد الحداثة.
ولكي تصبح كلاسيكية تحتاج الى سباق تصفية
بين
كتابها حيث يبقى الاقوياء فقط، اي الذين تعلو (درجات الشاعرية) في
نصوصهم، تماما
كما حدث ويحدث مع اجيال الشعر الحد الحديث وهذكا
تتلاشى فكرة تقديس الشكل وفكرة
تقديس الاديولوجيا وفكرة تقديس الانا في
مقابل تلاشي مقدسات اخرى كان يتبناها
شعراء الشعر الحري الحديث اي لم تعد المسألة
تتعلق بقصيدة حرة تفعيلية قومية وطنية
يسارية في مقابل قصيدة نثر يمينية رجعية
متأمركة حداثية، لأن تقليد التراث مرفوض
ولأن تقليد شعرية الترجمة مرفوض ايضا، وهكذا
لا يوضع شعر الهوية وشعر الهم الجماعي
في حالة تضاد مقابلة لحالة اخرى هي شعر
العولمة وشعر الانا النرجسية بل يعتبر
بالتعددية في المنظور وبذلك نخرج من ثنائية
شكل- محتوى فلا شكل الشعر يحدد وحده
درجات الشاعرية ولا محتوى الشعر يحدد وحده
درجات الشاعرية ولا التعامل معهما
منفصلين.
صدرت لروز الشوملي مصلح، اربع مجموعات من
نوع قصيدة النثر هي : للنهر
مجرى غير ذاته، 1998، للحكاية وجه اخر،
2001، حلاوة الروح، 2004، كيف اعبر اليك، 2006.
وروز الشوملي تنتمي الى مدينة عريقة هي بيت
لحم من عائلة عرفت بميلها الى
الفن والادب اذكر منها: الشاعر سمير
الشوملي، الناقد والباحث قسطندي الشوملي،
والممثل فؤاد الشوملي وغيرم ولا ننسى ايضا
ان بيت لحم انجبت مثقفا عربيا فلسطينيا
كبيرا هو جبرا ابراهيم جبرا رائد قصيدة
النثر العربية.
سبق لي ان تعرضت لنصوص
روز الشوملي في مجموعتها الاولى ومجموعتها
الثانية في كتابي اشكالات قصيدة النثر 2002
ولهذا اتحدث هنا عن مجموعتيها: حلاوة الروح،
2004 وكيف اعبر اليك، 2006 وفيما
يلي بعض الملاحظات:
1- المطلق، والهوية: تنطلق روز من الهوية
بعيدا عن شعاراتها
حيث تحول الحدث المرتبط بالهوية الى حالة شعرية
مطلقة مقطرة موجزة مختصرة،
وبالتالي فهي تحدث المفاجأة على الاقل بالنسبة لي
كقارئ فنصوصها لا تتجاهل دبابات
الاحتلال، التي تصوغ صناعة الموت ورغم انها
تسافر كثيرا الى بلدان العالم فتلتقط
الصور البصرية الا انها من نافذة دارها في
بيت لحم ترى وتراقب التفاصيل من حولها
وتذكرني ببطلات رواية الفرنسي فيركور
اللواتي يقاومن بالنسيح والصمت ونظرات
الكراهية للاحتلال الالماني، وجنوده الذين
يحاصرون المنزل تقول في نصها: من
نافذتي:
من نافذتي
ارى صف الدبابات
تسابق نفسها نحو الهدف
واحدة، واحدة
اعدها
اعرف ان الليل صبور
عندما ينبشون تفاصيل الليل
- وفي نص اخر ( بعد
منتصف الليل):
بعد منتصف الليل، يأتون اسرابا، يحتلون
الشارع الموازي، المبنى
الموازي، الشارع الخلفي والامامي.
يقتحمون باب البناية، باب الشقة، غرفة
نومي،
كتبي، وما خفي من الاسرار
- هنا تتعالق الصورة والحالة منطلقة من
الحدث
نحو المطلق الشر الذي يبدو كابوسا ينزاح بوساطة الرغبة الارادوية في
المقاومة: وعندما
يصيح الديك ادرك انني ما زلت احيا وهناك شكل اخر من التعالق مع المطلق
المحصن كما في نصوصها الحوارية مع الموت.
2- المعجم المركزي: الموت:
رغم ان
الفاظ مثل: الخوف، البحر، الارق، الجفاف،
الصمت، الصدى، النجوم، الشمس، الانتظار،
الفجر، الديك، الصخرة، الاختراق، الصوت،
الحياة، القمر، الجدار، القتل، الظلم، ...
الخ، كثيرة الورود في المعجم الشعري الا ان
المعجم المركزي الشعري في معظم النصوص
يدور حول الموت وهي احيانا تربط الموت
بدلالته الطبيعية الا انه موت من نوع خاص، هو
الموت الفلسطيني، وهو حالة خاصة تنطلق من
الهوية نحو المطلق وهي تميز بين الموت
العادي والاستشهاد لقد دأب بعض المثقفين
المنشقين عن الجماعة تحت تأثير ثقافة
السلام مع دولة اسرائيل غير الشرعية، على
التشكيك في مفهوم الشهادة والاستشهاد بعد
ان اختطف شارون مصطلح الارهاب الاميركي،
وطبقه على المقاومة الفلسطينية بعد 11
سبتمبر، مما احدث انشقاقا ثقافيا فلسطينيا
مريبا، رغم ان ثقافة المقاومة والاستشهاد
هي ثقافة الحياة الحرة الكريمة التي هي ضد
ثقافة الموت المجاني وضد الارهاب
وبالتالي فإن روز الشوملي تميز بين الموتين:
الاستشهاد والموت العادي، موت الارهاب
وهي بالتأكيد مع الاول كما تقول نصوصها، بعد
ذلك تنبثق في نصوصها الحياة من الموت
الاستشهادي او موت المقهورين.
فالحياة ركيزة اساسية في نصوصها وهي دائما
تهجس
بالامل:
- للموت ان ينتظر
اما هي،
فسوف تشدو للحياة
- قد تسقط
القذيفة
وننتهي معا
حاشاك يا حبيبتي
لأنك الحياة
3- التوقيعة في
نصوصها
في عام 1964 نشرت قصيدة تحت عنوان: توقيعات،
احدى توقيعاتها
تقول:
رجعت من المنفى في كفي، خف حنين
حين وصلت الى المنفى الثاني
سرقوا
مني الخفين
وفي عام 1967 كتب الدكتور عز الدين اسماعيل،
يصف بعض قصائد صلاح عبد
الصبور القصيرة بأنها توقيعات.
وفي عام 1993 كتب الدكتور احسان عباس دراسة
عنوانها: القصيدة القصيرة خلط فيها بين
التوقيعة والقصيدة القصيرة.
وبطبعية
الحال هناك فارق جوهري بين التوقيعة
والقصيدة القصيرة، فالتوقيعة تكون مكثفة موجزة
بينما تكون القصيرة القصيرة اشبه بمقطع طويل
من قصيدة طويلة وقد لا تكون موجزة او
مشدودة نحو الكثافة، وهنا تفاصيل اخرى.
تتوهج روز شوملي في مجموعتها: حلاوة
الروح، بتوقيعات ذات روح نيتشوية ضد
الطمأنينة:
1- القطط لا تأبه للعجز
ولا
ترى منه
سوى عصافير الدوري
2- صاح الديك الاول
صاح الديك الثاني
صات كل
ديوك الحي
انطفأ الليلي
من يقنع ديك الحارة
ان الفجر
بغير صياح
يعود
3- ربما تكون هذه قهوتي الاخيرة
صوت العندليب موسيقاي الاخيرة
فلنمت
قليلا هذا اليوم
غدا امامنا موت طويل
- هذه اذن امرأة تراقب تفاصيل الليل،
وتفاصيل الانتظار في اطار كابوس الاحتلال
رغم انها لا تصرح بذلك لأن توقيعاتها
تقتضي ذلك:
اولا: توقيعات موجزة مكثفة تستخدم، السرد
المكثف، اي المشدود،
والمتوتر، والمتأمل، مما يمنح النص كثافة شعرية.
ثانيا: تلعب باللغة من اجل
احداث الدهشة من خلال استعارات مقلوبة ومن
خلال ابراز المسكوت عنه كما في التوقيعة
الاولى، او من خلال اكتشاف العادي كما في
التوقيعة الثانية او من خلال قلب العادي
الى مطلق وبالعكس.
ثالثا: في قصائدها النثرية شبه الطويلة
والمتوسطة الطول هناك
توقيعات عديدة تقع في قلب النص، مثل:
1- عند هبوب الطائرات
اختزل نفسي الى
اذنين
2- كل فلسطيني مشبوه
حتى الموت وفي الموت
3- ان تفاجئك
الكلمات
فأنت تحيا
4- قوس قزح لا يولد في الليل
5- منذ انتفاضتين
وهم
يسيرون في ظلال الموت
ولا يرتعشون
6- بعد كل اجتياح
تلف عنقها بشال
الفجر
تنتظر عمال البلدية
كي يزيلوا رائحة الموت من الطرقات.
- هذه
التوقيعات، استخرجتها من قصائد متوسطة الطول
او طويلة تدلل على وظيفتها فيما اسميه (شدشدة
النص) وما يسميه اللسانيون التماسك النصي، لكن اللسانيين يتحدثون عن
دور
الضمائر والافعال والعطف في التماسك اما انا، فأرى ان العطف بالواو
يخلق استرخاء
سرديا خاليا من الحركة اما التكرار فهو عنصر فاعل
في شدشدة النص وارى ان ما يشدشد
نصوص روز الشوملي الطويلة، هو هذه التوقيعات
ولولاها لاصبحت النصوص مندلقة، متسيبة
مسترخية اي بلا توتر شعري فالتباين في
التوقيعة هو ما يخلق حالة الادهاش.
4- الايقاعات غير المنتظمة
يلعب الفعل المضارع في نصوص روز الشوملي،
دورين: دور
التأمل الفلسفي، ودور حركي يجعل القصيدة غير ساكنة
كا ان له دورا ايقاعيا، يمنح
المشهدية الشعرية شيئا من التماسك.
تستخدم روز السطر الشعري وتقسم السطور حسب
ايقاع المعنى وهي لا تستخدم نظام الكتلة
اللغوية النثرية في صفحة الطباعة الذي هو
عبارة عن تدوير متواصل للسطور حتى تكتمل
الصفحة مثل النثر الخالص وهما على اي حال
طريقتان شكليتان ترتبطان بترتيب الايقاعات
غير المنتظمة، اذ لا فضل لواحدة على
الاخرى الا في القراءة السماعية لأنهما لا
تؤثران على منظور النص الى حركة العالم
تأثيرا جوهريا.
خلاصة
تكتب روز الشوملي قصيدة النثر بصفتها نصا
مفتوحا عابرا
للانواع وهي في منظورها تميل الى التأمل الفلسفي
لحركة التفاصيل اليومية الكابوسية
تحت الاحتلال وتحول الحادثة اليومية الى
مطلق شعري اقرب الى شذرات نيتشه الشعرية
حيث تجيد صياغة التوقيعة، اما القصيدة
الطويلة والقصيرة والمتوسطة عندها فهي في
تماسكها تشير الى بقع صلبة احيانا واسترخاء
تأملي سردي احيانا اخرى ورغم هيمنة معجم
الموت على معجمها الشعري فهي تشير الى
انبثاق حركة الحياة من هذا الموت غير العادي
فهي شاعرة مقاومة وحداثة معا.
صحيح انه لا بحر في بيت لحم لهذا تجلب صورته
من
امكنة اخرى في العالم الا ان جماليات جدلية الزمان والمكان في بيت لحم،
هي المقترح
الذي نقترحه عليها، لأن العالمية وليس العولمة تبدأ
من هوية ذلك المكان
العظيم.
نقلاً عن " الحياة الجديدة " 29.05.2008 العدد
4522