خالد شوملي

القطة والرسام

 

في كلِّ صباحٍ تتقدّمُ قطّةٌ سوداءُ صغيرةٌ إلى بركةِ ماءٍ، تجلسُ على حجرٍ مسطّحٍ وتراقبُ السمكَ الذهبيَّ علّها تمسكُ إحداها. لا تهتمُّ القطّةُ بالكلبِ المجاورِ الّذي ينبحُ بكلِّ ما أُوتيَ لهُ منْ قوّةٍ، فهيَ تعرفُ أنّهُ مربوطٌ ولا يستطيعُ أنْ يؤذيَها. تشربُ القطّةُ منْ ماءِ البركةِ ثمَّ تذهبُ إلى مكانٍ أكثرَ هدوءاً.

 

في يومٍ ما تأتي القطّةُ إلى بركةِ الماءِ، ولمْ تنتبهْ أنَّ الكلبَ على غيرِ عادتِهِ حرٌّ. ينبحُ الكلبُ ويركضُ باتجاهِها. تدركُ القطّةُ الخطرَ المحدقَ بها، فتهربُ مسرعةً وتعبرُ منْ تحتِ سياجِ الحديقةِ. لا يستطيعُ الكلبُ الكبيرُ أنْ يصنعَ مثلَها فيحاولُ القفزَ منْ فوقِ السّياجِ، لكنّهُ لمْ يستطعْ ذلكَ. يعدو الكلبُ مسرعاً إلى بوّابةِ الحديقةِ ليطاردَ القطّةَ الهاربةَ.

 

تصلُ القطّةُ شجرةً كبيرةً قربَ نهرٍ يستريحُ في ظلِّها رجلٌ يطالعُ كتاباً، تركَ خلفَهُ حقيبتَهُ مفتوحةً. تسرعُ القطّةُ بالدّخولِ في الحقيبةِ وتختبئُ بينَ أوراقِها. يجيءُ الكلبُ لاهثاً ونابحاً، ويهاجمُ الحقيبةَ، ممّا يدعو الرّجلَ أنْ يوبّخَهُ. يبتعدُ الكلبُ غاضباً. لمْ يفهمِ الرّجلُ تصرّفاتِ الكلبِ الغريبةِ.

 

يحملُ الرّجلُ حقيبتَهُ ويذهبُ إلى بيتِهِ، يدخلُ شقّتَهُ في الطّابقِ الثّالثِ ويضعُ الحقيبةَ على طاولةِ المطبخِ. ثمَّ يخرجُ مسرعاًً تاركاً بابَ شقّتِهِ مفتوحاً ليطلبَ منْ جاريْهِ مساعدتَهُ في نقلِ لوحاتِهِ الفنّيةِ إلى معرضِ الرّسمِ الّذي سيقامُ اليومَ.

 

تخرجُ القطّةُ منَ الحقيبةِ، تتأمّلُ وتشمُّ كلَّ ما هوَ موجودٌ على الطاولةِ. تدفعُ بزجاجةِ الحليبِ فتنكسرُ ويسيلُ الحليبُ على البلاطِ. لمْ تفلحِ القطّةُ بفتحِ كرتونةِ البيضِ ولم تستطعْ تحريكَها. تنزلُ إلى الأرضِ ثمَّ تقفزُ إلى الأعلى لتمسكَ غطاءَ الطاولةِ بكفّيْها وأسنانِها وتسحبَهُ ليقعَ كلُّ ما على الطّاولةِ. يتكسّرُ البيضُ ويسيلُ ويمتزجُ بالحليبِ. تلعقُ القطّةُ الحليبَ والبيضَ بحذرٍ.

 

تتجوّلُ القطّةُ في داخلِ الشقّةِ فيتّسخُ السجّادُ الفارسيُّ الجميلُ، وتصعدُ على الأريكةِ الجلديّةِ الثمينةِ، وتتركُ في الجلدِ النّاعمِ آثاراً لأظافرِها. ثمَّ تدخلُ إلى غرفةِ الرسمِ التي شمّتْ بها رائحةَ فأرٍ. ترى القطّةُ الفأرَ فتقفزُ نحوَهُ فتصطدمُ بعلبِ الألوانِ العديدةِ التي تبدأُ بالسيْلِ على لوحةٍ فارغةٍ، تختلطُ الألوانُ وتتشكّلُ ألوانٌ جديدةٌ. يهربُ الفأرُ وتلحقُهُ القطّةُ الى خارجِ الشقّةِ. يلتقي الرسّامُ وجاراهُ القطّةَ على درج البيتِ فيضحكونَ لأنَّها ملوّنةٌ.

 

عندما يصلُ الرسّامُ شقّتَهُ معْ  جاريهِ ويرى ما حلَّ بها منْ خرابٍ يبدأُ بالصراخِ. ويدركُ أنَّ القطّةَ الملوّنةَ هي التي قامتْ بذلكَ. لا وقتَ الآنَ للتفكيرِ فعليْهِ أن ينقلَ معْ جاريْهِ لوحاتِهِ إلى معرضِ الرسمِ.

 

في معرضِ الرسمِ يهنّؤهُ الزائرونَ على لوحاتِهِ الجميلةِ ويخصّونَ لوحةً مميّزةً بإعجابِهم. يودُّ الكثيرونَ منْ زوّارِ المعرضِ أنْ يشتروا هذهِ اللوحةَ الفريدةَ النوعِ بألوانِها المتداخلةِ. يبيعُ الرسّامُ اللوحةَ بألفٍ ومئتيْ دينارٍ. وتكونُ هذهِ أغلى لوحةٍ يبيعُها في تاريخِ رسمِهِ الطويلِ. يشعُّ الرسّامُ سعادةً ويضحكُ، ويتذكّرُ القطّةَ الملوّنةَ صاحبةَ الفضلِ عليهِ.

 

تعبيراً عنْ شكرِهِ للقطّةِ يضعُ الرسّامُ كلَّ صباحٍ صحنَ حليبٍ على الشرفةِ ويتركُ بابَ شقّتِهِ مفتوحاً. تأتي القطّةُ في الموعدِ وتلعقُ الحليبَ اللذيذَ، وتنظرُ بشموخٍ من الشرفةِ العاليةِ إلى الكلبِ الذي طاردَها مرّةً، ويبدوالآنَ لبعدِه عنها صغيراً جدّاً.